arablog.org

المومس : جيـــبك ملكـــــي وجســـــدي للجميـــــــــع

تتفنن الروايات العربية في وصف المومسات وبائعات الهوى و مغامرات الأبطال معهن … أحيانا يتجاوز الكاتب اللحم الفاني حسب عبارة مظفر النواب ليغوص في أعماقها ليتحدث عن معاناتها وعن أحلامها وأحيانا كثيرة تظل بائعة الهوى رجسا ونجاسة ، وعلى جسدها يوشم المجتمع معاييره الأخلاقية فيرفضها ويلفظها خارجه .

كانت ظاهرة البغاء موجودة منذ القدم وقبل أن تسمى البغي بالقحبة يجب أن نعرّج إلى حكاية هذا المفهوم قبل أن يصبح شائعا ومتفقا عليه يقال قديما : قحب الرجل أي أعلن صوته بالسعال عاليا ليعلن أهل بيته بمجيئه كما كانت البغايا في الجاهلية يسعلن لإعلان الزبون بجاهزيتهن لقبوله من ذلك الفعل السعال سميّت البغي هكذا رغم أنّ فعل يقوم به الرجل أو المرأة ولكن سعال المرأة قحب أخلاقوي وسعال الرجل سلطة وحظوة .

في العصور الغابرة كانت المرأة تجوع فتأكل بثدييها من أجل سدّ الرمق فقط وذلك لشدّة الفقر الذي حرمها العيش بكرامة رغم ما أحاطه التراث والمجتمع العربي الإسلامي من قوانين صارمة لحماية الجسد الأنثوي من الفساد والعهر ولكنّ الفقر والفاقة أكثر سلطة وتأثيرا من القيم والأخلاق .. حين يجوع الجسد تصبح الأخلاق اخر همّ الجائع فالجوع إلى الخبز أشدّ من الجوع إلى الله هكذا تحدّث راهب ذات مرّة .

أصبحت صورة الجسد في واقعنا الراهن المتسم أساسا بالإستهلاك تمثل قيم المجتمع فالميثولوجيا الحديثة ليست أقلّ أهمية وقيمة من الروح فهو أكثر مادية من الروح فهو شيء حقيقي وفعلي وإمتياز مضاعف يجب أن يستمثر بشكل جيّد حسب ما بيّنه جون بودريار .. إذ أصبح الجسد قيمة إجتماعية إلى جانب قيمته الأخلاقية ويحمل الجسد الوجاهة أو الفقر فالجسد ليس بقيمة ثابتة بل متحولة في سياقات إجتماعية مختلفة .. هناك بعض النساء اللواتي لا يرضين بأوضاعهن الإقتصادية والتي تكشفها أجسادهن خاصة وأنّ من تعيش خارج عالم الموضة واخر الصيحات ترفض إجتماعيا أو تستهجن سواء كان برغبة منها مبدئية منها أو غصبا عنها لفقرها فتلجأ بعض النساء إلى بيع أجسادهن أو إعارتها أو التربح منها لا للأكل وسدّ الرمق فقط بل أيضا لمواكبة تطوّرات المجتمع التي يعشن به .. لا تمارس المرأة الجنس بمقابل في عصرنا الحالي من أجل الأكل فقط أصبح هذا في حكم المطلق بل أيضا من أجل الملبس الجيّد ومن أجل مسك هاتف جوّال والتنقل داخل العلب الليلية والمطاعم الفخمة ولم تعد المومس الفقيرة التي تبيع نفسها بملاليم قليلة من أجل مساعدة عائلتها الفقيرة حكاية مومس اليوم التي تسكن الأحياء الفخمة وتصطاد الأغنياء من الجالية الليبية المقيمة بتونس بعد الحرب القائمة هناك .

مومس اليوم تطرح تساؤولات عديدة حول الجسد الخاص الذي تطبع به وجوده في العالم إذ يشكلّ بطاقة هويتها في المجتمع والجسد الحميمي الذي تعيش تفاصيل مشاعرها وتمثلاتها والجسد العام الذي يتشارك فيه الجميع ليس بالنظر والإشتهاء فقط بل لمن يدفع أكثر فعمل المومس اليوم عمل قائم على الربح فهي تملك رأسمال لا يمكن التعويل عليه كثيرا في البقاء بكامل لياقته وجماله خاصة وأنّ أجساد هذه الفئة هي أجساد ستسقط صريعة المرض والشيخوخة أكثر من أجساد النساء الأخريات لأنّهن يعملن بالليل يشربن الكحول ويدخنّ بشراهة .. مومس الرصيف واللتي تعمل أساسا في قاعات السينما لم تعد تغري الزبائن لتعوّضها عاملة الجنس التي تمارس الجنس بمقابل محدد سلفا أو مومس الفنادق خمس النجوم والتي تتقاضي أجرتها هدايا فاخرة وشبكة علاقات تمنحها حظوة إجتماعية لا تحصل عليها مومس الرصيف و عاملة الجنس … جسد المومس وتمثلاته ودلالاته موضوع يجب أن يحظى بالإهتمام في عصرنا الحالي دون أن نذهب لتحليله بمقاييس الدين أو أخلاق المجتمع .

خولة الفرشيشي

PROS

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *